فن وصورة

السينما العربية بين إرث الماضي وتحديات المستقبل (الجزء الثالث)

حين نتحدث عن السينما العربية، لا يكفي أن نتابع لحظات صعودها أو إنجازاتها الرمزية. لا بد أن نلتفت أيضًا إلى محطات الهبوط والانكفاء. هذه المحطات تكشف في كثير من الأحيان ما آل إليه حال هذه الصناعة. فقد كانت السينما العربية تُعدّ يومًا قوة ناعمة أساسية في العالم العربي.

منذ بداياتها ارتبطت السينما العربية، وخاصة المصرية، بصبغة فنية وثقافية خاصة. هذه الصبغة ميّزتها عن التجارب الإقليمية والعالمية الأخرى. لم تظهر الخصوصية في طبيعة المواضيع فقط، بل في البنية السردية أيضًا. سيطر على الإنتاج السينمائي ما يمكن تسميته بسياسة "البطل الواحد". فقد تحولت الشخصية المحورية إلى نقطة ارتكاز للسرد. أصبحت هي العصب الدرامي الذي تدور حوله الأحداث. وحملت هذه الشخصية رمزية اجتماعية وسياسية ونفسية عميقة.

"البطل الأوحد": من تميُّز إلى قيد

منذ أن ترسّخت هذه القاعدة في البنية السردية للسينما العربية، خاصة في منتصف القرن العشرين، مع نجوم كبار مثل أنور وجدي، عمر الشريف، محمود ياسين، وحتى عادل إمام. أصبحت السينما تدور حول شخصية رئيسية واحدة تتلبّس هموم الأمة وتمثّل ضميرها. فالبطل في هذه الأفلام لا يكون مجرد شخصية من لحم ودم، بل يتحول إلى رمز يعكس طموحات المجتمع وإحباطاته، انتصاراته وهزائمه، وغالبًا ما يُقدم كمنقذ، أو مخلّص، أو حتى شهيد لقضية أكبر.

هذا التركيز أضفى على السينما العربية طابعا شعبيا ومحببا، لكنه في الوقت ذاته فرض عليها حدودا إبداعية صلبة. فقد جعل معظم القصص تدور في حلقة مغلقة لا تتيح استكشاف تعددية التجربة الإنسانية ولا التفاعل مع التنوع الطبقي، الثقافي، والروحي للمجتمع العربي. فحتى حين يكون الفيلم في ظاهره اجتماعيًا، فإن عمقه يظل مرتهنًا بمسار شخصية واحدة.

تكرار هذا النمط، وخصوصًا في إطار "رحلة البطل" التقليدية كما شرحها "جوزيف كامبل" حيث يبدأ البطل مغامرة، يواجه العقبات، يتغلب على التحديات، ويعود متحولا أدى إلى نوع من التكلّس السردي. لم تعد الرحلة تحمل مفاجآت، ولم يعد التحدي دراميا بحق، بل تحوّلت القصة إلى بناء محفوظ يسهل التنبؤ به، مما أفقد الأفلام روح المغامرة الجمالية والفكرية.

محدودية الرؤية وانعكاساتها على الانتشار العالمي

 مع التقدم المتسارع للسينما العالمية ظهر مسار جديد في السرد. اتجهت هذه السينما إلى تفكيك المركزية، وزّعت الأدوار بين شخصيات متعددة، واستخدمت تقنيات سردية مبتكرة. في المقابل، لم تستطع السينما العربية مجاراة هذا التحول. بقيت أسيرة نمط "البطل الواحد". جعلها ذلك تبدو في أعين الجمهور العالمي أقرب إلى عمل مسرحي تقليدي منها إلى فيلم متعدد الأبعاد.

هذا الانغلاق البنيوي لم يؤثر فقط على الجانب الفني، بل انسحب أيضًا على مدى قدرة السينما العربية على تمثيل نفسها في المحافل الدولية. ففي الوقت الذي كانت فيه السينما الإيرانية، والآسيوية، والإفريقية تنجح في تقديم سرديات جماعية عميقة تلامس الحس الإنساني المشترك، بقيت السينما العربية منشغلة بالبطل-الرمز، الذي لا يتيح المجال لتعدد الأصوات ولا يعكس التناقضات الواقعية إلا بقدر ما يخدم حبكة البطل. السينما الإيرانية، على سبيل المثال، استطاعت بمهارة دمج الواقع الاجتماعي والسياسي مع سرديات شخصية متعددة، معتمدة على لغة سينمائية تجمع بين الرمزية والبساطة الواقعية، ما جعلها تصل إلى جمهور عالمي واسع. بالمثل، السينما الآسيوية، خاصة الكورية واليابانية، نجحت في تقديم أعمال غنية بالتنوع النفسي والاجتماعي للشخصيات، ما منحها صدى عالميًا لم تستطع السينما العربية بلوغه بعد.

ومع غياب التنوع السردي والبصري، تراجع الإقبال على الأفلام العربية خارج نطاقها المحلي، بل حتى داخل البلدان العربية نفسها، حيث أصبح الجمهور يشعر بالتكرار والرتابة. فحين تتشابه القصص، وتتطابق الشخصيات، وتُعاد إنتاج المأساة نفسها، يفقد المشاهد علاقته الحية بالعمل الفني، بينما تستمر السينما الآسيوية والإيرانية في جذب الاهتمام العالمي بفضل تعدد الأصوات وسردياتها المعقدة والمتجددة.

أزمة الواقعية: حين تتحول الحقيقة إلى ديكور

لم يكن الإشكال في "البطل الواحد" معزولًا عن إشكالية أخرى أكثر عمقًا، وهي افتقاد الكتّاب إلى ما يمكن تسميته بـ"واقعية الواقع". أي القدرة على التقاط نبض الحياة اليومية، وتحويله إلى سرد فني يعبّر عن الإنسان العربي بكل تعقيداته وتناقضاته، لا أن يحوّله إلى تجريدات أو رموز جامدة.

حين تُبنى الحبكة بالكامل على البطل، يصبح الكاتب مضطرًا إلى ليّ الأحداث وتجميل الحقائق لكي تواكب مسيرته البطولية. هذا ما يجعل كثيرا من الأعمال تفقد مصداقيتها، لأن العالم الذي يُبنى حول البطل لا يكون واقعيا بما يكفي، بل مجرد ديكور لخدمة حبكة مثالية.

وبدلا من تقديم نقد جذري للواقع العربي، أو محاولة فهم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يمر بها المجتمع، نجد كثيرًا من الأفلام تكتفي بعرض سطحي للأزمات، دون أن تتجاوز الشكوى أو المرارة إلى التحليل أو البناء. هكذا دخلت السينما العربية فيما يمكن تسميته بـ"الواقعية القاتلة"، التي تكرّس الإحباط ولا تفتح أفقًا. يمكن أن نرى هذا في أفلام عادل إمام ومنها فيلم "النمر الـسود"، الذي يتحدث عن رحلة البطل في الفيلم من الفقر الى العالمية في الرياضة. 

لا تقف المشكلة عند حدود الكتابة أو الإنتاج، بل تمتد إلى النقد السينمائي نفسه، الذي في كثير من الأحيان اكتفى بالاحتفاء بالأسلوب أو الأداء التمثيلي، دون أن يغوص في البنية الأعمق للفيلم. فالنقد بوصفه أداة فكرية تحليلية، كان من الممكن أن يساهم في كسر الجمود وتحفيز التجديد، لكنه هو الآخر غالبا ما بقي في دائرة المجاملة أو الانطباعية.

غياب النقد الجاد صعّب مهمة السينما العربية. لم تستطع الدخول في حوار حقيقي مع ذاتها. لم تتمكن من إعادة تقييم ثوابتها الجمالية والسردية. كما عجزت عن مواكبة التحولات الكبرى التي شهدها الفن السابع عالميًا.

نحو أفق جديد: التعدد، التنوع، والجرأة

إن الخروج من هذا المأزق يتطلب أكثر من إصلاح تقني أو تحسين تمويل، بل يتطلب ثورة فكرية على مستوى السرد والخيال والبناء الجمالي. يجب أن تتبنى السينما العربية هياكل قصصية جديدة، تسمح بتعدد الشخصيات، وتداخل الحكايات، وتناول الواقع من زوايا مختلفة، بعيدًا عن التمركز المفرط حول "البطل المنقذ".

كما ينبغي أن تركز الأفلام على الشخصيات الهامشية، المهمّشة، الصامتة، المهمومة، التي لا تتصدر عادة الشاشة. هذه الشخصيات، بصدقها وتعقيدها، هي التي تعطي للفن بعده الإنساني العميق، وتمكّنه من أن يكون مرآة حقيقية للمجتمع.

في الوقت نفسه، يجب على النقاد والباحثين في السينما أن يلعبوا دورا أكثر جرأة في تفكيك الأنماط القديمة، وطرح نماذج جديدة للفهم والتحليل. النقد، هنا، لا يجب أن يكون مكمّلًا للفن فقط، بل محفّزًا له، وقادرًا على خلق مناخ ثقافي يُشجع على المغامرة والتجديد.


السينما كمرآة المجتمع لا كمسرح للبطولة

لقد كانت "البطولة الفردية" إحدى ركائز الهوية السينمائية العربية، لكنها تحوّلت بمرور الزمن إلى عبء يكبل الإبداع ويمنع التجدد. هذه المركزية المفرطة حجبت التنوع، وأقصت التعدد، وأفقدت الأفلام القدرة على مخاطبة العالم بلغة إنسانية شاملة.

إن النهوض بالسينما العربية يتطلب التحرر من المركزية. يتطلب إعادة الاعتبار للواقع بكل تناقضاته. وللشخصيات بكل هشاشتها وقوتها. وللحكايات بكل فوضاها ونبضها. وحده هذا التعدد قادر على إحياء السينما العربية. وحدها هذه الجرأة يمكن أن تعيد لها مكانتها كفن حي. فن قادر على التفاعل مع العالم. لا مجرد ظل باهت لماضٍ مجيد. في الجزء الرابع من هذه السلسلة سنتحدث عن تأثير الربيع العربي. سنتوقف عند دوره في تجديد وظيفة السينما بتشكيل الرأي العالمي حول ما يجري في العالم العربي.


المصادر

السموكني، ع. (بدون تاريخ). السينما كيف يمكن الوصول إلى العالمية؟ SNRT News.  (تم الدخول في 2 /7/ 2025).

الساورة، ع. (2023). أزمة النقد السينمائي العربي… غياب الأرشفة وفشل الواقعية. القدس العربي. (تم الدخول في 2 /7/ 2025).

التميمي، ع. ذ. (2024). السينما العربية وتحدياتها. العربي الجديد. (تم الدخول في 2 يوليو 2025).

كوستانرو، و. ف. (2020). السينما العالمية من منظور الأنواع السينمائية. مؤسسة هنداوي. (تم الدخول في 1/07 /2025).


الكلمات المفتاحية

تفرد البطل الواحد، غياب التنوع السردي، الابتعاد عن الواقعية، النقد السينمائي الغائب.